Saturday, 19 January 2008

Richard III - مأساه معربة


حضرت مسرحية ريتشارد الثالث على مدى يومين متتاليين، سليمان البسام اسم يجذبني لرؤية و سماع ما لديه بعد حضوري لمسرحيته السابقة كليلة و دمنة، ما يقدمه سليمان هو مسرح للفكر و ليس فقط للمشاهدة و الاستمتاع، طريقة إرسال المعلومة تختلف من شخص لآخر و من عمل لآخر، و توجد أعمال تضحكك كثيرا و تعطيك الرسالة بشكل خجول و أعمال أخرى تقوم بشكل مناقض لتلك، و لكل منها متعته الخاصة ومن خلال ميولك الشخصي تحدد أي منها تفضل.

تضايقت في العرض الثاني من سماع بعض الأصوات النشاز و التي تنم عن تذمر البعض، كلمة أحببت أن أوصلها لهم أن من عطايا الله علينا القدرة على المشي! فبالطريقة التي تم الدخول بها إلى المسرح بإمكانكم الخروج إن لم يعجبكم العرض، و لنرتقي بأفعالنا. لست ضد حرية التعبير ولا ضد من لا تعجبه المسرحية فلكل أسبابه و الحرية المطلقة بالتعبير عن نفسه، ما اعترض عليه هو التجريح الناتج من وراء هذه الأفعال و إزعاج الغير.

ريتشارد : مأساة معربة

العمل عبارة عن إعادة صياغة لنص شكسبير الشهير و صمم ليناسب الواقع العربي، فلم أجد تلميح إلى دولة دون عن أخرى بالعمل ككل، فلكل دولة عربية نفحة في طيات هذا العمل، الصراع على العرش الذي لم و لن ينتهي يتخطى حتى حدود العالم العربي. في بداية القصة المملكة بنيت على أعقاب حرب عشائرية و بعد الانتصار يمرض الملك و يأتي الصراع الحقيقي إلى الحياة، صراع السلطة و المُلك. تتسلسل الأحداث و الطعون و الخيانات ليتحدد مصير الأمة على أيدي من يخدعونها، صورة ليست غريبة و بعيدة عن واقعنا الحالي، فليس بإمكاننا أن نقول تلك الدولة العربية أو تلك هي المعنية! نظرا للتشابه باللغة و التفكير.


المسرح : جزء من النص

ما جذبني في أعمال البسام (كليلة و دمنة : مرآة الأمراء – ريتشارد الثالث : مأساة معربة) هي سمة لا أراها في المسارح العربية، فغالبية المسرحيات التي رأيتها "محلية / عربية" تفتقر إلى عامل أن يكون المسرح جزء من النص و أن الديكورات غير صامته، فلا نرى بغالبية الأعمال المسرحية قطع المسرح تتفاعل مع الممثلين بقدر ما هي خلفية تساندهم لدمج المشاهد مع الأجواء التي يمثلون عرضهم بها زمنياً. ففي ريتشارد الثالث بالإضافة إلى استخدام أكثر من وسيلة مرئية لتوصيل الفكرة و لخدمة النص و الممثلين، تم استخدام أكثر من زاوية بالمسرح بالإضافة إلى ما نراه من عرض أمامنا منها الثابت "الزاوية اليمنى للمشاهد : الفرقة الموسيقية" و منها المتغير "الزاوية اليسرى للمشاهد: الشاشات التلفزيونية، تارة للمراقبة و تارة للأخبار"، و هي الخاصية التي تجعل من العرض المسرحي غني و مثير للاهتمام، الأمر الذي جعلني أعجب بكافة القائمين على إكمال صورة هذا العرض من ممثلين و فنيي المؤثرات الصوتية و المرئية و الموسيقيين و حتى من يتسللون في ظلمة المشاهد ليلقوا على المسرح و المشاهدين أجزاء من المسرحية.

الممثلين : ترجمة النص على أرض الواقع

فايز قزق: من المشهد الأول يجعلك ترى الخبث بعيني الشخصية التي يمثلها و تتعجب فيما بعد لوداعته التي يتودد بها للأرملة التي لو لم يرافقها شرح لأهدافه لأقنعني بأنه صادق "قبل بداية تلك المناورة شرح لنا انه يقوم بذلك لهدف في نفس يعقوب" ،، كان ثعلب المسرحية بالمكر و الدهاء.

جاسم النبهان: بقدر ما تحمل ملامحه نفحة أبوية بالنسبة لي ككويتية أراه بمجال التمثيل منذ وقت لا يستهان به، حملت الشخصيات التي مثلها لتك الطيبة على الرغم من تشدد احدها، في كلتا شخصيتيه حمل دور المساند للأحداث التي تجري و أبدع بذلك فكان الإطار المكمل لما يجري و الضحية الأولى بالصراع على العرش.


مناضل داوود: مثل دور الملك الذي لا يعي ما حوله و كذلك دوره الأهم كالفداوي كيتسبي يحرك الأحداث و يجعلنا نرى الأيدي التي تساند الثعلب مقابل المال، حبا بالمال ينفذ كل ما يطلب منه إلى أن يصل إلى حدود إنسانيته التي لا تمكنه من تنفيذ كل ما دفع له من اجله و لكن بعد فوات الأوان، فان لم يكن العقل المدبر كان اليد الفاعلة، صورة تمنيت أن يراها كل من يعمل للمال ليرى بشاعة منظره و قلة إنسانيته.

نقولا دانييل: وزير و محافظ في المسرحية وفي كلى الدورين جسد من هم حول نطاق الحكم و يحملون نفحات من السلطة غير واعيين أنهم منصبين و في حال الانتهاء من الحاجة لهم يتم التخلص منهم بنفس سهولة تنصيبهم. ساند دوره الأحداث و كان ضحية المكائد من أكثر من طرف بشخصية الوزير، و كما هو الحال الآن أن تصبح وزيرا ليس أمرا يدعوا للفرح.

بشار عبد الله: الأمير و الصبي، على الرغم من الاختلاف الشاسع بين الدورين إلا أن العامل المشترك هو أن الشخصيتين لهما حيز نراه ينتهي على يد الملك المرتقب، فبدايته كانت مع الملكة و انتهي لتعارض وجوده مع طموح الأمير جلوستر، و فيما بعد حينما قرر الاستعانة به كصبي لم تحالفه الأقدار، و لعل أكثر الأدوار التي أعجبتني هي ظهوره كفداوي للملك في المشاهد الأخيرة.

كارول عبود: الملكة الماكرة و التي تحمل كل المبررات البديهية لكي تحافظ على سريان الحكم بالقرب من سلالتها من الملك، لكن ينقصها الوفاء بمن يدبر الأمور لها "باكنجهام"، تحاول تثبيت جذورها في البلاط الملكي عن طريق أقاربها غير واعية أن الدخيل في عالم الملوك و الأسر يبقى دخيلاً و الاسم الملكي أقوى من روابط الأسرة.


فيصل العميري: على الرغم من حداثة عمره المسرحي و التمثيلي مقارنة بالكثير ممن شاركوا بهذه المسرحية إلا أن تمثيله يعجبني بشكل بارز، فهو من الجيل الحديث من الممثلين الكويتيين و الذي بجدارة أراه يقنعني بواقعية الدور الذي يمثله، بالذات في مسرحية كهذه لأنه و كافة الممثلين يجسدون أكثر من دور بمساحات زمنية متقاربة فمن الأمير الذي يعتقد "واهماً" انه ليس دخيلا على العرش و من حوله لأنه قريب من الملكة إلى مقدم النشرة الإخبارية إلى الِمرسال، لكل دور لهجته الخاصة و أسلوبه الخاص بالانفعال و التعبير! فيصل العميري موهبة شابة كويتية تستحق التشجيع.

نادين جمعة: الأرملة و الغانية، لعل مشهد المناورة التي تمت بين الأرملة و مرملها هو الأكثر شدا لي لأنه يجسد المكر و الخديعة من الرجل الذي يستهان بدهائه و المرأة التي بغمرة أحزانها يسكرها الكلام، مشهد يرينا قوة الكلمات على الرغم من معرفتنا بسوء من يقولها، كمن خدعوا بتصريحات القادة العرب الذي يقتلون بيد و يطلبون العون بيد أخرى.

ريموند حسني: "صور يالفرنسي" و قد قام بالتصوير فعلياً على خشبة المسرح، فهو من صور للشعب ما يغاير الواقع و يرضى طموح الثعلب! و هو من صور للملكة أحداث كما تشتهي وتريد، و على أمل أن يحصل على ما يريد من حليفه القادم صور الكثير و الكثير و رسم المستقبل من خلال الإعلام لخدمة الأمير جلوستر الذي لم يتورع عن إزهاقه حالما انتهى منه.

أمل عمران: الملكة السابقة و الأمير الصغير و ذات الصوت القوي، كالممالك المتهاوية و التي تحتفظ بتاريخها أينما حلت ظهرت لنا أمل، فللوهلة الأولى رأيت بها صورة تلك الدول الغربية و الممالك العربية القوية التي تهاوت بعد ضعفها، و من ثم تلك الحانقة الحاقدة إلى أن أصبحت تضحك أخيرا لأنها رأت ما حصل لها يتكرر لمن سلبها مركزها، شخصيتها تجسد دروس التاريخ التي لا يستفيد منها من هم على رأس الحكم.

نايجل باريت: مبعوث القوات الأجنبية الذي يجود بوردة ليحصد عسل تلك الدول المخدوعة، يعطي القليل ليحصد الكثير فيما بعد. شخصيته كانت حلقة الوصل بين الغرب و الشرق، بغير وعي لمصالح المصور التي تتعارض مع مصالحه، فالقرب الجغرافي لا يعني الوفاء بعالم السلطة و المال.

سليمان البسام: المخرج و المعد له نصيب الأسد، فعلى الرغم من إعجابي بالمسرحية و أنها لا تتناول واقع دولة واحده بمفردها و اعتيادي على الترميز من قبل نصوصه إلا أني افتقدت إلى الرابط الصريح بين الأحداث و مرادفاتها على الواقع، لكن الجميل بالنص و الأحداث أننا نستطيع إسقاطه على الكثير من الأحداث التي تدور حولنا ونرى فيه مرآة لواقع الشرق الأوسط، فكم دولة قامت على الاغتيالات داخل أسوار القصور و خارجها في عالمنا العربي؟ و كم أجنبي استخدم كمستشار لينال جزء مما نملك؟ و كم أجنبي اجتاح البلدان ليحررها من طاغية ليدخلها طاغية آخر؟ و كم تملك القصور من بطانة فاسدة مدفوعة الخدمات؟ الحديث بشكل عام عن لسان واقعنا جميل والخصوصية العربية جميله إلا إني أرى أن النص لا يركز على ناحية محدده أو حدث معين لذا فالرسالة عامة و يمكن بذلك أن يغافل البعض التاريخ و ينسقه ليتخيل و يوهم غيره أن المسرحية لا تعنيه بشخصه و يكرر مقولة "الله لا يغير علينا" مع العلم بأننا بالنهاية بشر لنا عقول و فكر، فإن صح الفكر صحت الأفعال و أنا على أمل أن تصح العقول و الأفعال بالمستقبل المدعوم بأعمال تهدف للتوعية و دعوتنا لنرى واقعنا من منظور مختلف.


6 comments:

eva said...

went to the final show , felt it , loved it .. !

"مشهد يرينا قوة الكلمات على الرغم من معرفتنا بسوء من يقوله"


you speaked my mind her

بالضبط قوة الكلمات..


i will print this review and make sure that sulaiman will read it, i guess its the best review ever

eva said...

and i loved soo many quotes from the play ,can recall only one now


" نسيت من أنا من سأكون ، و من أنت من كنت !"

& The Song

لابوك لا من ترجى حنانك !



i think its brilliant, how Sulaiman managed to get all this in the show

Shurouq said...

Are you saying you were there tonight? To bad I didn't see you :(

Thanks for the thorough review
كفيتي ووفيتي :)

I loved the performers!.. Slaiman Al Bassam is a breath of fresh air in this dry country.

I must say I liked Kalila & Dimna better. It was deeper.. mush more profound than Richard III

Q80-Chill Girl said...

Eva

I am glad u liked the review :D and i did print it out to mr.Sulaiman "dfart.1 in the blog i changed one thing" but i did not have the pleasure of meeting him in person yesterday's afternoon, i left it at al-midan with a very nice indian guy, appreciate ur anthusiasum thank you :D

My favorite was "although i think its not literally like this"

يدعوا "او يدعوكم" للصليبية و بقلبه التوراة

i did enjoy it and if i could i would have attended the 3rd show

Shurouq

I was there 1st and 2nd, if i saw you i wouldnt have missed saying hi to you, especially that i wanted to meet you madri when ;p to give u an أمانه

I did like Kalila Wa Dimna more, i agree it was packed more than Richard III, but again he proves we still have true theater in Kuwait

Anonymous said...

Hi,

I really wanted to attend this play because I love the way Fayz Qazaq act. Simply, he is amazing! However, I didn't know about it! My question is: Is this play available on DVD or video? If so, from where can I get it?

Thanks,

Esraa

Q80-Chill Girl said...

Esraa

:D

not that i know of, but if i get any news on this i will publish a post, it is a play and a work of art very worth of supporting